الفن

مسلسل الضايعة الحلقة الأولى.. صرخة درامية في وجه “قانون الحيل” والضياع اليمني الممنهج

اليمن الغد | تقرير خاص: مع انطلاق الماراثون الدرامي لعام 2026، خطف مسلسل الضايعة الحلقة الأولى الأنظار بشكل غير مسبوق، محققاً ملايين المشاهدات في ساعاته الأولى.

لكن بعيداً عن أرقام اليوتيوب، يبدو أن العمل الذي يجمع عمالقة الفن اليمني مثل محمد قحطان، عبدالله يحيى إبراهيم، وحسن الجماعي، ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو مرآة عاكسة لواقع يمني مثقل بالانكسارات والتحولات الطبقية الحادة.

في “اليمن الغد”، حللنا تفاصيل الحلقة الأولى التي بدأت بصرخة قاضٍ في قاعة المحكمة، وانتهت بصدمة وجودية لبطل العمل “حسان”، لنجد أننا أمام نص درامي يتجاوز “الحدوتة” التقليدية ليشتبك مع قضايا السيادة القانونية والأخلاقية في البلاد.

1. الدراما اليمنية 2026: من الكوميديا السطحية إلى التشريح الاجتماعي

لطالما عانت الدراما في اليمن من حصرها في قوالب الكوميديا التهريجية، إلا أن مسلسل الضايعة الحلقة الأولى جاء ليؤكد نضوجاً في الأدوات.

مشهد الحادث المروري الذي تعرض له الطفل “أمجد” والهروب المذعور للجاني، يجسد تماماً ما أسماه أحد أبطال العمل بـ “قانون الحيل الجديد”، حيث تحمي الأموال أصحابها من المساءلة، بينما يُترك الفقراء لمواجهة قدرهم في أروقة المستشفيات المتهالكة.

هذا التحول الدرامي يعكس حاجة الشارع اليمني إلى فن يتحدث بلسانه، فن ينقل صراخ الأمهات في غرف العمليات، وتجبر ذوي النفوذ الذين يقايضون “الدم بالمال”. إنها محاولة جادة من المخرج وفريق العمل لإعادة الاعتبار للمواطن اليمني البسيط الذي يجد نفسه “ضائعاً” في وطنه.

2. الاقتصاد الموازي وصفقات “الشنطة”: كيف يقرأ المسلسل واقع السوق؟

في مشهد محوري داخل الحلقة، تبرز شخصية “جابر” والتاجر “غازي”، ليتحدثا عن صفقات مشبوهة وتمرير شحنات عبر شركات وهمية. هذا التناول الدرامي ليس بعيداً عما تنشره تقارير اقتصادية دولية، مثل رويترز، حول تنامي الاقتصاد الخفي في مناطق النزاعات.

يؤثر هذا النوع من الفساد الذي يطرحه المسلسل على اليمن بعدة مستويات:

  • اقتصادياً: إضعاف العملة المحلية لصالح صفقات تُدار بالعملات الصعبة بعيداً عن الدورة البنكية الرسمية.
  • سياسياً: خلق مراكز قوى مالية تتحكم في القرار السياسي والاقتصادي.
  • شعبياً: زيادة الهوة بين طبقة “أمراء الحرب والصفقات” وبين غالبية الشعب التي تبحث عن ثمن “شال” أو “علاقة خبز”.

3. رسائل مبطنة تحت عباءة “حسان عبد القادر”: العدالة الغائبة

يمثل “حسان”، الذي يجسد دوره الفنان القدير عبدالله يحيى إبراهيم، الرمز اليمني المطحون. خروجه من السجن ليرى عالماً متغيراً، وتلقيه رسالة مفادها أن ابنته “عائشة” لا تزال على قيد الحياة، يضعنا أمام استعارة سياسية كبرى. فـ “عائشة” هنا قد تكون هي اليمن المختطفة التي قيل للناس أنها ماتت، بينما هي غائبة قسراً بفعل مؤامرات “الصهور” (الأقارب والأعداء على حد سواء).

يقول الصحفي اليمني المختص بالشأن الثقافي، أحمد المحويتي، لـ “اليمن الغد”: «الضايعة ليس اسماً لمسلسل، بل هو وصف لحالة التيه التي يعيشها الفرد اليمني الذي فقد بوصلته بين سجون الداخل واغتراب الخارج. المسلسل يضع إصبعه على جرح الهوية الضائعة».

4. تحليل الشخصيات: محمد قحطان والهروب من جلباب الكوميديا

في مسلسل الضايعة الحلقة الأولى، نرى محمد قحطان في دور مختلف تماماً، دور “شمس الزناتي” الذي يحاول الحفاظ على ما تبقى من إنسانية في شارع لا يرحم. تفاعله مع الطفل المصاب وحديثه عن “البيس” (المال) يعكس التناقض الصارخ في الشخصية اليمنية؛ العاطفة الفطرية مقابل الضرورة المعيشية القاسية.

بينما يبرز حسن الجماعي في دور “شايف”، ليمثل فئة الشباب الذي يبحث عن “خطط إعمارية شاملة” في خمس نقاط (سيارة، رصيد، وظيفة، زواج، فيلا)، وهي أحلام مشروعة لكنها في سياق الواقع اليمني الراهن تبدو أقرب إلى الفانتازيا أو تدفع بصاحبها نحو الانحراف أو اليأس.

5. التأثيرات المتوقعة لـ “الضايعة” على الوعي المجتمعي والأمني

إن تسليط الضوء على ظواهر مثل “الفرار من الحادث” أو “تجارة الممنوعات خلف ستار الأدوات المنزلية” يضع الأجهزة الأمنية والمجتمعية أمام مسؤولياتها. تقارير بي بي سي السابقة حول الوضع الإنساني في اليمن تشير دائماً إلى أن تآكل المنظومة القيمية هو أخطر ما يهدد السلم الأهلي، وهو ما يحاول المسلسل ترميمه عبر كشف عورات الفاسدين.

لماذا يجب أن تشاهد مسلسل الضايعة؟

  1. لأنه يقدم قراءة صادقة لتعقيدات الحياة في صنعاء وعدن وبقية المحافظات.
  2. لأنه يجمع بين جودة التصوير (السينماتوغرافيا) وعمق النص.
  3. لأنه يعيد “محمد قحطان” إلى الأدوار الدرامية الثقيلة التي تترك أثراً طويل الأمد.

خاتمة صحفية: إن مسلسل الضايعة الحلقة الأولى هو البداية فقط لرحلة بحث عن “المفقود” في أرواحنا وفي وطننا. نحن في موقع اليمن الغد سنواكب معكم قراءة بقية الحلقات، لنفكك شفرات العمل ونرى إلى أين ستصل سفينة “حسان” وبنته “عائشة” في بحر من المتناقضات اليمنية.

زر الذهاب إلى الأعلى