اليمن الغد | تحقيق صحفي: في تحديث صادم لواقع المعيشة اليوم 19 فبراير 2026، ترسم المشاهد القادمة من صنعاء وعدن وتعز صورة قاتمة لمأساة يمنية مزدوجة؛ فبينما تئن ردهات المستشفيات تحت وطأة موجات جديدة من الأوبئة وسوء التغذية، تبدو الأسواق المركزية في حالة “موت سريري” نتيجة انهيار القدرة الشرائية.
هذه المفارقة ليست مجرد صدفة، بل هي نتاج سنوات من الانهيار الاقتصادي الذي جعل لقمة العيش أغلى من ثمن الدواء، وجعل المواطن اليمني مخيراً بين الجوع أو المرض.
1. المستشفيات اليمنية 2026: مخازن للأوجاع ونقص حاد في التمويل
تشهد المستشفيات الحكومية في مختلف المحافظات اليمنية، مع دخول النصف الثاني من فبراير، ضغطاً غير مسبوق. ووفقاً لتقارير ميدانية رصدها فريق “اليمن الغد”، فإن الأقسام الطبية باتت ممتلئة بحالات الإصابة بالكوليرا والحصبة، بالإضافة إلى الانتشار المخيف لداء سوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء الحوامل.
وتشير تقديرات دولية (مستوحاة من تقارير BBC وReuters) إلى أن أكثر من 22 مليون يمني يحتاجون الآن إلى مساعدات إنسانية ملحة، بينما تعمل أقل من 50% من المنشآت الطبية بكامل طاقتها.
إن تكدس المرضى في الممرات ليس دليلاً على توفر الخدمة، بل هو صرخة استغاثة لمرافق تفتقر لأبسط المستلزمات الطبية والأدوية المنقذة للحياة، وسط هجرة الكوادر الطبية بحثاً عن لقمة العيش في القطاع الخاص أو خارج البلاد.
2. الأسواق الخاوية: حين يصبح “الريال” خصماً للمواطن
على الجانب الآخر من المشهد، تبدو الأسواق اليمنية اليوم في حالة ركود لم تشهدها البلاد من قبل. ورغم “التحسن الوهمي” الذي يطرأ أحياناً على سعر صرف الريال اليمني، إلا أن أسعار السلع الغذائية تظل محلقة في سماء الغلاء، مما خلق فجوة هائلة بين الدخل والاحتياجات الأساسية.
يقول “عبد الواسع”، أحد تجار التجزئة في سوق شميلة بصنعاء: “البضاعة موجودة والرفوف ممتلئة، لكن الناس يدخلون ليسألوا عن السعر ثم يغادرون بقلوب مكسورة.
لم نعد نبيع بالكيلو، بل بالغرام، والقدرة الشرائية للناس انتهت تماماً”. هذا الركود التضخمي يعكس حالة الانقسام النقدي وتوقف الصادرات السيادية التي جففت منابع العملة الصعبة، وجعلت من الأسواق “متاحف” للفرجة لا للتسوق.
3. التحليل العميق: كيف تعيد الأزمة الاقتصادية تشكيل المجتمع اليمني؟
إن ما يحدث اليوم في اليمن يتجاوز كونه أزمة عابرة؛ إنه تحول بنيوي في النسيج الاجتماعي. ويمكن تحليل تأثير هذا الحدث على عدة مستويات:
- اقتصادياً: تلاشي الطبقة المتوسطة تماماً؛ حيث تشير البيانات إلى أن أكثر من 82% من السكان باتوا تحت خط الفقر الحاد، مما أدى إلى اعتماد شبه كلي على الحوالات الخارجية أو المساعدات الإغاثية الشحيحة.
- صحياً: العلاقة الطردية بين الجوع والمرض أصبحت واضحة؛ فالمواطن الذي لا يستطيع شراء الحليب لطفله، يجد نفسه بعد أسابيع في طابور طويل أمام قسم الطوارئ لعلاج سوء التغذية.
- سياسياً وأمنياً: يؤدي هذا الفقر المدقع إلى زيادة معدلات الجريمة المنظمة والنزاعات المحلية على الموارد، كما يضعف موقف أي تسوية سياسية لا تضع “الاقتصاد” و”الرواتب” على رأس أولوياتها.
4. صرخة من الميدان: آراء يمنية تجسد الواقع
يرى محللون اقتصاديون في عدن أن استمرار حالة “لا سلم ولا حرب” هو القاتل الصامت للاقتصاد اليمني. وفي حديث خاص لـ “اليمن الغد”، يوضح الخبير الاقتصادي (م. سيف): “المشكلة ليست في ندرة المواد، بل في انعدام السيولة وتآكل قيمة العملة. نحن نعيش في اقتصاد حرب يستفيد منه القلة، بينما تدفع الغالبية العظمى ثمن الصراعات النقدية بين البنوك المركزية المنقسمة”.
هذه المعاناة لا تستثني أحداً، حتى الموظف الذي يتقاضى راتباً، يجد أن قيمته الشرائية قد تراجعت بنسبة تفوق 400% عما كانت عليه قبل سنوات، مما يجعل الراتب لا يكفي لتغطية فاتورة كهرباء أو سلة غذائية بسيطة.
5. ما العمل؟.. آفاق الحلول الممكنة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
لعل أولى خطوات الحل تبدأ من تحييد الملف الاقتصادي عن الصراع السياسي. يحتاج اليمن اليوم وبشكل عاجل إلى:
- توحيد الإدارة النقدية وإنهاء انقسام العملة الوطنية.
- استئناف تصدير النفط والغاز لتوفير احتياطي نقدي يدعم الريال.
- زيادة الدعم الدولي المباشر للقطاع الصحي المتهالك لمنع تفشي الأوبئة العابرة للحدود.
- تفعيل الرقابة الميدانية على الأسواق لضمان انعكاس أي تحسن في الصرف على أسعار السلع.
خاتمة التحقيق: إن بقاء المستشفيات ممتلئة والأسواق فارغة هو إنذار أخير بانهيار وشيك للمنظومة المجتمعية في اليمن. وفي تاريخ 19 فبراير 2026، يبقى الأمل معلقاً على إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة المواطن اليمني فوق كل اعتبار، قبل أن تتحول هذه الصرخات الصامتة إلى انفجار اجتماعي لا يمكن احتواؤه.

