# هل نحن أحرار حقًا؟ إحسان الفقيه تكتب عن الإرادة وقيود النفس

المصدر: اليمن الغد | الكاتب: إحسان الفقيه
تاريخ النشر: 2026-10-10
الرابط الأصلي: https://alyemenalghad.com/news-arab/are-we-truly-free/

---

## هل نحن أحرار حقًا… أم أسرى أنفسنا؟

*في فلسفة الإرادة، وخديعة الاختيار، والصراع بين سلطان النفس ومسؤولية الإنسان.*

لعل أخطر سجن يمكن أن يعيش فيه الإنسان هو السجن الذي لا يرى قضبانه؛ أن يظن نفسه حرًّا لأنه يفعل ما يريد، دون أن يسأل نفسه يومًا: ومن الذي علّمني أن أريد هذا الذي أريد؟!

**عزيزي القارئ**، الباحث بين سطوري عن الوضوح...

إن كان لديك جَلَد على القراءة، فسيسعدني أن تقرأ لي حتى النهاية، وإن لم يكن، فاقلب الصفحة وابحث عن المختصرات والشطائر السريعة الجاهزة في صفحات أخرى تشبهك.

أقول ذلك لكي لا تُضيع وقتك الثمين في صفحة كاتبة ثرثارة، كثيرة الكلام والشرح والتفسير.

أعود إلى جوهر المقالة، وأتساءل:

 	- هل اخترتَ أفكارك حقًا، أم ورثتَ أكثرها ثم أمضيت عمرك تدافع عنها؟

 	- هل أحببت ما أحببتَ لأنك وجدته جميلًا، أم لأن تجاربك القديمة جعلتك ترى فيه ما لا يراه غيرك؟

 	- وهل كرهتَ إنسانًا لأنه يستحق الكراهية، أم لأنه أيقظ في داخلك جرحًا لم يلتئم؟


كم قرارًا نحسبه ثمرة تفكير حر، وما هو إلا استجابة لخوف لم نواجهه، أو انقياد لعادة لم نراجعها، أو امتثال خفي لرغبة لم نجرؤ على الاعتراف بها؟

## هل نختار فعلًا ما نريد؟

في عام 2026، طرح عالم الأعصاب توم جيمس، من جامعة إنديانا، تصورًا علميًا يعيد النظر في الصورة التقليدية لاتخاذ القرار.

فبدلًا من افتراض وجود مركز مستقل في الدماغ يستقبل المعلومات ويصدر الأوامر، يقترح فهم السلوك بوصفه نتاج تفاعل مستمر بين الدماغ والجسد والبيئة.

وهي أطروحة نظرية لا تحسم مسألة الإرادة الحرة، لكنها تفتح سؤالًا قديمًا بلسان علمي جديد:

إذا كانت قراراتنا تتشكل داخل شبكة من المؤثرات التي لا نحيط بها وعيًا، فإلى أي مدى نكون أسياد اختياراتنا؟

قبل قرون، كتب الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا في كتابه «الأخلاق» معنى بالغ القسوة على غرور الإنسان، خلاصته أن البشر يظنون أنفسهم أحرارًا لأنهم يدركون أفعالهم، ويجهلون الأسباب التي تدفعهم إليها.

إنها فكرة تضع وعينا أمام محاكمة فلسفية: ربما لا يكون جهل الإنسان الحقيقي فيما لا يعرفه عن العالم، بل فيما يجهله عن نفسه.

فالرجل الذي يثور لأتفه الأسباب قد يقول: «أنا صريح، لا أجامل»، بينما يكون عاجزًا عن ضبط غضبه.

والذي يراقب حياة الآخرين ويضيق باستقلالهم قد يسمي ذلك حبًّا، بينما تحركه مخاوف الفقد والسيطرة.

والذي يرفض الاعتراف بخطئه قد يتحدث طويلًا عن الكرامة، بينما يخشى انهيار الصورة التي رسمها لنفسه.

وهكذا تصبح اللغة أحيانًا آخر حيلة يستخدمها الإنسان كي لا يرى حقيقته.

يسمي الخوف حذرًا، والغرور عزة نفس، والحسد غيرة على المبادئ، والعصبية وفاءً، والانتقام استردادًا للكرامة وردًّا للاعتبار.

وكلما ازدادت قدرته على تبرير سلوكه، قلت حاجته إلى مراجعته.

قد يكون الإنسان شديد الذكاء في تفسير العالم، شديد السذاجة في تفسير نفسه.

فالعقل الذي يستطيع كشف تناقضات الآخرين قد يتحول إلى محامٍ بارع عن تناقضاته الخاصة.

ولذلك، فإن المعرفة لا تقود بالضرورة إلى الحكمة؛ فقد تمنح الإنسان أدوات أكثر تعقيدًا للدفاع عن أوهامه.

## كيف تصنع العادات قراراتنا؟

وقد لخّص المؤرخ والفيلسوف ويل ديورانت، وهو يعرض فلسفة أرسطو الأخلاقية، أثر التكرار في تكوين الإنسان بعبارة شهيرة معناها أن الإنسان هو ما يفعله مرارًا، وأن التميز ليس فعلًا عابرًا، بل عادة.

وهنا تتجلى حقيقة شديدة الأهمية:

أنت لا تصنع قراراتك فحسب؛ قراراتك المتكررة تعيد صناعة الشخص الذي سيتخذ قراراتك القادمة.

كل مرة تكذب فيها لتنجو، تجعل الكذب أيسر في المرة التالية.

وكل مرة تُنصف فيها خصمك على حساب مصلحتك، تمنح العدل جذورًا أعمق في شخصيتك.

وكل مرة تستسلم فيها لغضبك، أو تؤجل مواجهة خوفك، أو تبرر لنفسك ظلمًا صغيرًا، فإنك لا تنتهي من موقف عادي، مثل غيره، سيمر ويُنسى؛ بل قد تكون تشارك في بناء عادة ستقودك يومًا دون أن تشعر.

وهذا يفسر كيف يمكن للفساد أن يتحول من فعل يستنكره صاحبه إلى ممارسة لا يرى فيها بأسًا.

فالمسؤول الذي يستبيح المال العام قد لا يبدأ حياته لصًّا؛ ربما بدأ باستثناء صغير، ثم اعتاد الاستثناءات حتى فقد القدرة على رؤية الفارق بين حقه وما ليس له.

وكذلك المتعصب الذي يظلم المخالفين باسم نصرة جماعته؛ قد لا يدرك أنه لم يعد يبحث عن الحق، بل يبحث عما يثبت أن جماعته على حق.

أخطر ما تفعله العادة أنها قد تجعل الانحراف مألوفًا، حتى لا يعود الضمير يشعر بغرابته.

## بين تفسير السلوك وتحمل المسؤولية

لكن هل يعني هذا أننا محكومون بما صنعته فينا التربية والبيئة والتجارب؟

هنا ينبغي التفريق بين أمرين كثيرًا ما يختلطان: تفسير السلوك وتبريره.

فأن نفهم لماذا أصبح الإنسان عنيفًا لا يعني أن نمنحه حق الاعتداء.

وأن نفهم جذور أنانيته لا يجعل حقوق الآخرين أقل حرمة.

وأن نعرف أثر طفولته في شخصيته لا يعني أن نجعل ماضيه حكمًا نهائيًا على مستقبله.

صحيح أن الناس يتفاوتون في قدرتهم على ضبط أنفسهم، وأن المرض والإكراه والاضطرابات النفسية قد تؤثر في الاختيار والمسؤولية، لكن المعرفة بالأسباب ليست في ذاتها حكمًا باستحالة التغيير.

## الحرية الأخلاقية في ضوء القرآن

وهنا نصل إلى تأصيل قرآني عميق.

قال تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.

تأملوا أن القرآن لم يجعل الفلاح في ادعاء خلو النفس من دوافع الشر، وإنما في تزكيتها.

والتزكية ليست وصفًا لحالة مثالية يولد عليها الإنسان، بل عملية أخلاقية مستمرة من المجاهدة والتقويم والمراجعة.

فالإنسان قد يحمل في داخله دوافع متعارضة، لكنه ليس مطالبًا بأن يقدس كل دافع لمجرد أنه يشعر به.

ليس كل ما نشعر به حقيقة، وليس كل ما نرغب فيه حقًّا، وليس كل ما نستطيع فعله مباحًا.

قال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.

ولنتأمل دقة التعبير: «ونهى النفس عن الهوى».

فوجود الهوى ليس نهاية المعركة الأخلاقية، بل بدايتها.

الفضيلة لا تعني بالضرورة ألا تغضب، بل ألا تجعل غضبك قاضيًا يحكم على الأبرياء.

ولا تعني ألا تشتهي، بل ألا تجعل شهوتك مشرّعًا يبيح لك حقوق الآخرين.

ولا تعني ألا تخاف، بل ألا تجعل خوفك سيدًا على ضميرك.

فالحرية الأخلاقية ليست أن تستطيع فعل كل ما تريد، وإنما أن تستطيع الامتناع عما تريد حين يكون الامتناع هو الحق.

وهذا المعنى لا ينفصل عن قضية القضاء والقدر في التصور الإسلامي.

فالقرآن يقرر مشيئة الإنسان بقوله تعالى:

﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾.

ثم يرد هذه المشيئة إلى سلطان الله بقوله:

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.

وقد اختلفت المدارس الكلامية في تفسير العلاقة بين المشيئة الإلهية والقدرة الإنسانية والكسب، لكن أصل التكليف الشرعي يقوم على اعتبار استطاعة الإنسان ومسؤوليته ضمن حدودها.

فالإسلام لا يصور الإنسان إلهًا صغيرًا مستقلًا عن الأسباب، ولا يعفيه من الحساب بحجة أنه نتاج ظروفه.

قال تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

هي قاعدة عظيمة تجمع المسؤولية بالرحمة، والعدل بالاستطاعة.

ومن هنا، فإن الاستشهاد بالنصوص الشرعية لا ينبغي أن يتحول إلى محاولة لإثبات نظريات علم الأعصاب بالقرآن؛ فالقرآن ليس كتابًا في تشريح الدماغ، كما أن المختبر لا يملك وحده الإجابة عن معنى الخير والشر والتكليف.

العلم يبحث في كيفية تشكل السلوك، والفلسفة تسائل معنى الحرية، والدين يضع الاختيار في أفق المسؤولية والغاية والمآل.

وقد نكتشف يومًا أن كثيرًا مما سميناه قرارات واعية كان أكثر تعقيدًا مما تصورنا؛ لكن ذلك لا يجعل السؤال الأخلاقي أقل أهمية، بل أشد إلحاحًا.

## متى يكون الإنسان سيد قراره؟

لأن الإنسان لا يعيش في المختبر وحده.

إنه يعيش بين الناس، ويحب ويغضب ويظلم ويُنصف، ويملك أحيانًا أن يؤذي ثم يختار ألا يؤذي.

وقد يبلغ أعظم درجات الانتصار على نفسه في موقف لا يصفق له فيه أحد: حين يستطيع الانتقام فيعفو، أو يستطيع الخيانة فيفي، أو يستطيع الكذب فيصدق، أو يملك سلطة الظلم فيعدل.

فليست البطولة دائمًا في قهر خصم خارجي؛ أحيانًا تكون في منع أسوأ ما في داخلك من الانتصار على أفضل ما فيك.

ولعل من أعظم أوهام الإنسان أنه يظن الحرية في التحرر من كل قيد، مع أن بعض القيود التي يرفضها هي التي تحمي إنسانيته من عبودية الرغبة.

فمن لا يستطيع مخالفة شهوته ليس سيدًا عليها. ومن لا يستطيع مراجعة أفكاره ليس حرًّا منها. ومن لا يملك قول «كنت مخطئًا» قد يكون أسيرًا لصورة نفسه أكثر من أي أسير خلف القضبان.

ولهذا، فإن السؤال الأعمق ليس: هل أنا حر تمامًا؟

بل: كم من الأشياء التي تتحكم بي أملك الشجاعة لأتعرف إليها، وكم منها أملك الاستطاعة والإرادة لأغيّره؟

إن الإنسان لا يختار والديه، ولا طفولته، ولا كثيرًا من الجراح التي شكّلت وجدانه، ولا كل الخواطر التي تعبر ذهنه.

لكنه يستطيع، في حدود ما أُعطي من قدرة، أن يتعلم وألا يجعل الجرح شريعة، والخوف عقيدة، والعادة قدرًا لا يُراجع.

وهنا أجد أن أعظم رحلة يخوضها الإنسان ليست الرحلة إلى اكتشاف العالم، بل الرحلة التي يكتشف فيها كم كان يظن نفسه حرًّا، بينما كانت تقوده أشياء لم يجرؤ على مساءلتها.

قد لا يكون في الدماغ حاكم واحد يجلس على عرش القرار.

لكن المصيبة الحقيقية أن يعيش الإنسان عمره كله وقد سلّم عرش ضميره إلى هواه، ثم سمّى تلك العبودية حرية.

ولذلك، قبل أن تسأل نفسك: لماذا اتخذت هذا القرار؟

اسألها سؤالًا أشد عمقًا:

من الذي كنتُ عليه حين اتخذته؟

ومن الذي سأصبح عليه إذا واصلت اتخاذ قرارات تشبهه؟

فقد لا نكون مسؤولين عن كل ما بدأ في داخلنا، لكننا مسؤولون، بقدر استطاعتنا، عن ألا نجعل كل ما بدأ في داخلنا يحكم حياتنا.





**إحسان الفقيه**

*من يوميات كاتبة مُصابة بالوضوح*

---
© اليمن الغد — يُرجى نسب أي اقتباس لهذا المصدر مع رابط المقال الأصلي.
