لا يوجد في الإسلام نص صحيح يبيح اقتحام بيت عبادة وقتل مدنيين اجتمعوا للعزاء، ولا يملك أحد أن يستخرج من كلام ابن تيمية أو محمد بن عبد الوهاب رخصة لاستباحة دماء الآمنين.
المشكلة فيمن يتعامل مع التراث بوصفه مستودعًا للذخيرة، ينتقي منه ما يخدم عدوانه، ثم ينسب إلى الدين نتائج انتقائه.
فقد قيلت بعض الفتاوى في ظروف حروب ونزاعات وسياقات سياسية وفقهية مخصوصة، ولها شروطها وموانعها ومناطاتها….
ومن يقتطع عبارة من سياقها، ثم ينقلها إلى مجتمع معاصر له قوانينه وعهوده وحقوق مواطنيه، يرتكب خللًا في فهم النص وتنزيل الحكم على الواقع.
وهذا ما يسميه الأصوليون تحقيق المناط؛ فمعرفة الحكم شيء، والتحقق من انطباقه على واقعة معينة شيء آخر.
ثم إن كلام العلماء، مهما علت منزلتهم، لا ينسخ قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، ولا يرفع الوعيد النبوي: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة»…
وأشد صور العبث بالدين أن يبدأ المرء بالنتيجة التي يريدها، وهي استباحة الدم، ثم يعود إلى الكتب باحثًا عن عبارة يستطيع تحميلها ما لا تحتمل.
إن حرمة المسيحي الأردني لا تتوقف على اجتهاد متطرف، ولا على تأويل انتقائي لفتوى تاريخية. دمه معصوم، وحقه في العبادة والأمان ثابت، والاعتداء عليه جريمة شرعًا وقانونًا.
فمن أراد أن يحتج بابن تيمية أو غيره، فليتعلم أولًا أن العلماء يُفهم كلامهم في سياقه، وأن الشريعة لا تؤخذ بالمقص، وأن دماء الناس أعظم حرمة من أن تصبح ميدانًا لتجارب الجهلة في الفتوى.
