رمضان في اليمن.. “فانوس” الصمود يصارع ريـاح الغلاء وشبح الحرب

صنعاء/عدن – خاص (اليمن الغد):
مع إطلالة هلال شهر رمضان المبارك، تكتسي المدن اليمنية حلة من التناقضات التي لا يفهم شيفرتها إلا من عاش في أزقة “صنعاء القديمة” أو استنشق رذاذ البحر في “كريتر” بعدن.
اليمنيون الذين أرهقتهم سنوات الحرب الطويلة، يستقبلون الشهر الكريم هذا العام بقلوب مثقلة بالهموم المعيشية، لكنها متمسكة بطقوس لا تقبل الانكسار. رمضان في اليمن ليس مجرد صيام عن الطعام، بل هو “ملحمة صمود” يومية تتجلى في تفاصيل المائدة والشارع والمسجد.
1. المائدة اليمنية.. صراع بين “الشفوت” وأسعار الصرف
تعتبر وجبة “الشفوت” وسيد المائدة “السلتة” ركيزتين لا غنى عنهما في الإفطار اليمني، إلا أن إعدادهما بات يكلف اليوم أضعاف ما كان عليه قبل سنوات.
التقارير الاقتصادية المتقاطعة مع ما تنشره وكالات دولية مثل “رويترز”، تؤكد أن القوة الشرائية للمواطن اليمني تآكلت بنسبة تجاوزت 80% نتيجة انقسام البنك المركزي واختلاف أسعار الصرف بين صنعاء وعدن.
يقول الحاج محمد السعدي، أحد سكان حي “الروضة”: “كنا نشتري مقاضي رمضان بالكراتين، اليوم نشتري بالحبه والكيلو. اللحم أصبح حلماً بعيد المنال للكثيرين، والاعتماد الكلي الآن على الخبز واللبن وبعض الخضروات التي ارتفعت أسعارها هي الأخرى بسبب أزمة الوقود وتكاليف النقل بين المحافظات”.
هذا الواقع الاقتصادي المرير دفع اليمنيين إلى ابتكار “اقتصاد رمضان المصغر”، حيث تعتمد الأسر على التكافل الاجتماعي بشكل غير مسبوق.
يمكنك متابعة المزيد حول أسعار الصرف في اليمن اليوم لمعرفة مدى تأثيرها المباشر على موائد الصائمين.
2. الأسواق اليمنية.. زحام يغطي على “جيوب فارغة”
من يتجول في “سوق الملح” بصنعاء أو “سوق الشيخ عثمان” في عدن، قد ينخدع بمنظر الحشود والزحام. لكن الحقيقة تكمن في أن أغلب هؤلاء هم “متفرجون” أو باحثون عن أرخص العروض. التاجر اليمني اليوم يواجه معضلة مزدوجة؛ فهو مطالب بتوفير البضائع في ظل قيود الاستيراد الصعبة في الموانئ، ومواجهة ضعف الإقبال الشعبي.
التحليلات السياسية والاقتصادية تشير إلى أن الجمود في ملف الهدنة وتوقف تصدير النفط أدى إلى جفاف السيولة النقدية، مما جعل “بهجة رمضان” مقتصرة على الروحانيات واللقاءات العائلية بعيداً عن الاستهلاك المفرط الذي كان يميز اليمنيين سابقاً.
ورغم ذلك، تظل رائحة “البخور العدني” و”البن الخولاني” تفوح من البيوت، متحديةً الظروف القاسية.
3. رمضان خلف المتاريس.. أمن معلق وآمال في السلام
على الصعيد الأمني، يعيش اليمنيون رمضان في حالة “لا حرب ولا سلم”. فرغم تراجع حدة العمليات العسكرية الكبرى، إلا أن التوتر يظل سيد الموقف.
التقارير الواردة من “بي بي سي” تسلط الضوء غالباً على معاناة النازحين في المخيمات بمأرب والحديدة، حيث يحل رمضان وهم تحت الخيام، يفتقدون للحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة مثل الكهرباء والمياه النظيفة.
يقول الناشط الحقوقي علي القدسي: “في رمضان، نرى بوضوح قسوة الانقسام السياسي. هناك عائلات مشتتة بين المحافظات، لا يستطيع أفرادها الإفطار على مائدة واحدة بسبب إغلاق الطرقات الرئيسية (مثل طريق تعز). رمضان يجدد الجراح سنوياً لأنه يذكرنا بما فقدناه من ترابط اجتماعي وجغرافي”. لمتابعة آخر التطورات الميدانية، يمكنكم زيارة قسم أخبار اليمن.
4. الروحانيات والمجالس.. “التفريط” اليمني الذي لا يموت
رغم كل الأوجاع، يظل لرمضان في اليمن نكهة روحانية فريدة. تبدأ “التواشيح” الرمضانية من مآذن المساجد قبل أذان المغرب، لتمزج بين الدعاء والترنم الذي يبعث الطمأنينة.
وبعد الإفطار وصلاة التراويح، تبدأ “المجالس الرمضانية” أو ما يعرف بـ “التفريط”، حيث يجتمع الرجال والنساء (كل في مجلسه) لتناول القهوة وتبادل الأحاديث حول السياسة والشأن العام.
هذه المجالس هي “البرلمان الشعبي” لليمنيين. فيها يتم تحليل قرارات الأمم المتحدة، ومناقشة تحركات المبعوث الدولي، وتفنيد الإشاعات. إنها المساحة التي يحاول فيها اليمني استعادة إنسانيته وهويته بعيداً عن ضجيج الطائرات أو أزيز الرصاص.
5. التكافل الاجتماعي.. النور في نهاية النفق
لعل أجمل ما يفرزه رمضان في اليمن هو “فزعة” الناس لبعضهم البعض. المبادرات الشبابية والمجتمعية التي تنشط في توزيع وجبات “إفطار صائم” في الجولات والطرقات، تعكس جوهر الشخصية اليمنية المعطاءة.
- المطابخ الخيرية: انتشرت في الأحياء الفقيرة لتقديم الوجبات الأساسية.
- توزيع الزكاة: يحرص المغتربون اليمنيون (رغم ظروفهم) على إرسال الحوالات المالية لأهاليهم وجيرانهم، وهي الحوالات التي تعتبر المحرك الأساسي للاقتصاد اليمني حالياً.
- كسوة العيد: تبدأ الجمعيات من منتصف رمضان بجمع التبرعات لضمان ألا يأتي العيد وهناك طفل يمني بدون ثياب جديدة.
رؤية تحليلية: ما بعد رمضان؟
إن استمرار الوضع على ما هو عليه في اليمن يعني أن كل رمضان سيكون أصعب مما قبله. الحل ليس إنسانياً فحسب، بل هو سياسي بامتياز يبدأ بفتح الطرقات وتوحيد العملة وصرف الرواتب المنقطعة منذ سنوات.
اليمني لا يحتاج إلى معونات بقدر ما يحتاج إلى “دولة” تضمن له كرامته ليعيش رمضانه كما كان دائماً؛ شهراً للمودة والرحمة لا شهراً للديون والهموم.
في الختام، يبقى المواطن اليمني هو “البطل الحقيقي” في هذه الرواية. فبينما تتصارع القوى السياسية، يظل هو متمسكاً بـ “مبخرته” وسجادته، صائماً محتسباً، بانتظار “عيد” حقيقي يلم شتات الوطن.
للمزيد من التقارير الحصرية حول الشأن المحلي، تابعوا موقع اليمن الغد، حيث ننقل لكم الخبر من قلب الحدث.

